تفسير القرطبي (الجزء التاني)

اذهب الى الأسفل

تفسير القرطبي (الجزء التاني)

مُساهمة من طرف عبد الناصر في الإثنين مارس 22, 2010 7:52 am

السلام عليكم

تتمة تفسير القرطبي للفاتحة:

قلت المشهور عن أهل اللغة بسمل. قال يعقوب بن السكيت والمطرز والثعالبي وغيرهم من أهل اللغة: بسمل الرجل، إذا قال: بسم الله. يقال: قد أكثرت من البسملة؛ أي من قول بسم الله. ومثله حوقل الرجل، إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهلل، إذا قال: لا إله إلا الله. وسبحل، إذا قال: سبحان الله، وحمدل، إذا قال: الحمد لله. وحيصل، إذا قال: حي على الصلاة، وجعفل، إذا قال: جعلت فداك. وطبقل، إذا قال: أطال الله بقاءك. ودمعز، إذا قال أدام الله عزك. وحيفل، إذا قال: حي على الفلاح. ولم يذكر المطرز: الحيصلة، إذا قال: حي على الصلاة. وجعفل، إذا قال: جعلت فداك. وطبقل، إذا قال أطال الله بقاءك. ودمعز إذا قال: أدام الله عزك.

الثامنة: ندب الشرع إلى ذكر البسملة في أول كل فعل؛ كالأكل والشرب والنحر؛ والجماع والطهارة وركوب البحر، إلى غير ذلك من الأفعال؛ قال الله تعالى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه . وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أغلق بابك واذكر اسم الله وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله وخمر إناءك واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله . وقال لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا . وقال لعمر بن أبي سلمة يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل ما يليك وقال: إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه وقال: من لم يذبح فليذبح باسم الله . وشكا إليه عثمان بن أبي العاص وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلمك ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بعزة [بالله] وقدرته من شر ما أجد وأحاذر . هذا كله ثابت في الصحيح. وروى ابن ماجة والترمذي عن النبي صلى الله علي وسلم قال: ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول بسم الله . وروى الدارقطني عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مس طهوره سمى الله تعالى، ثم يفرغ الماء على يديه .

التاسعة: قال علماؤنا: وفيها رد على القدرية وغيرهم ممن يقول: إن أفعالهم مقدورة لهم. وموضع الاحتجاج عليهم من ذلك أن الله سبحانه أمرنا عند الابتداء بكل فعل أن نفتتح بذلك، كما ذكرنا.

فمعنى بسم الله ، أي بالله. ومعنى (بالله) أي بخلقه وتقديره يوصل إلى ما يوصل إليه. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى. وقال بعضهم: معنى قوله (بسم الله) يعني بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته؛ وهذا تعليم من الله تعالى عباده، ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون الافتتاح ببركة الله جل وعز.

العاشرة: ذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى إلى أن (اسم) صلة زائدة، واستشهد بقول لبيد: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر

فذكر (اسم) زيادة، وإنما أراد: ثم السلام عليكما.

وقد استدل علماؤنا بقول لبيد هذا على أن الاسم هو المسمى. وسيأتي الكلام فيه في هذا الباب وغيره، إن شاء الله تعالى.

الحادية عشرة: اختلف في معنى زيادة: اسم؛ فقال قطرب: زيدت لإجلال ذكره تعالى وتعظيمه. وقال الأخفش: زيدت ليخرج بذكرها من حكم القسم إلى قصد التبرك؛ لأن أصل الكلام: بالله.

الثانية عشرة: اختلفوا أيضا في معنى دخول الباء عليه، هل دخلت على معنى الأمر؟ والتقدير: ابدأ بسم الله. أو على معنى الخبر؟ والتقدير: ابتدأت بسم الله؛ قولان: الأول للفراء، والثاني للزجاج. فـ(باسم) في موضع نصب على التأويلين. وقيل: المعنى ابتدائي بسم الله؛ فـ(بسم الله) في موضع رفع خبر الابتداء. وقيل: الخبر محذوف؛ أي ابتدائي مستقر أو ثابت بسم الله؛ فإذا أظهرته كان بسم الله في موضع نصب بثابت أو مستقر، وكان بمنزلة قولك: زيد في الدار. وفي التنزيل: فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي فـ(عنده) في موضع نصب؛ روي هذا عن نحاة أهل البصرة. وقيل: التقدير ابتدائي ببسم الله موجود أو ثابت، ف (باسم) في موضع نصب بالمصدر الذي هو ابتدائي.

الثالثة عشرة: بسم الله ، تكتب بغير ألف استغناء عنها بباء الإلصاق في اللفظ والخط لكثرة الاستعمال، بخلاف قوله: اقرأ باسم ربك فإنها لم تحذف لقلة الاستعمال. واختلفوا في حذفها مع الرحمن والقاهر؛ فقال الكسائي وسعيد الأخفش: تحذف الألف. وقال يحيى بن وثاب: لاتحذف إلا مع بسم الله فقط، لأن الاستعمال إنما كثر فيه.

الرابعة عشر: واختلف في تخصيص باء الجر بالكسر على ثلاثة معان؛ فقيل: ليناسب لفظها عملها. وقيل: لما كانت الباء لا تدخل إلا على الأسماء خصت بالخفض الذي لا يكون إلا في الأسماء. الثالث: ليفرق بينهما وبين ما قد يكون من الحروف اسما؛ نحو الكاف في قول الشاعر: ورحنا بكا بن الماء يجنب وسطنا

أي بمثل ابن الماء أو ما كان مثله.

الخامسة عشرة: اسم، وزنه افع، والذاهب منه الواو؛ لأنه من سموت، وجمعه أسماء، وتصغيره سمي. واختلف في تقدير أصله، فقيل: فعل، وقيل: فعل. قال الجوهري: وأسماء يكون جمعا لهذا الوزن، وهو مثل جذع وأجذاع، وقفل وأقفال؛ وهذا لا تدرك صيغته إلا بالسماع. وفيه أربع لغات: اسم بالكسر، واسم بالضم. قال أحمد بن يحيى: من ضم الألف أخذه من سموت أسمو، ومن كسر أخذه من سميت أسمى. ويقال: سم وسم، وينشد: والله أسماك سما مباركا آثرك الله به إيثاركا

وقال آخر: وعامنا أعجبنا مقدمه يدعى أبا السمح وقرضاب سمه مبتركا كل عظم يلحمه

قرضب الرجل: إذا أكل شيئا يابسا، فهو قرضاب. (سمه) بالضم والكسر جميعا. ومنه قول الآخر: باسم الذي في كل سورة سمه

وسكنت السين من (باسم) اعتلالا على غير قياس، وألفه ألف وصل، وربما جعلها الشاعر ألف قطع للضرورة؛ كقول الأحوص: وما أنا بالمخسوس في جذم مالك ولا من تسمى ثم يلتزم الاسما

السادسة عشرة: تقول العرب في النسب إلى الاسم: سموي، وإن شئت اسمي، تركته على حاله، وجمعه أسماء، وجمع الأسماء أسام. وحكى الفراء: أعيذك بأسماوات الله.

السابعة عشرة: اختلفوا في اشتقاق الاسم على وجهين: فقال البصريون: هو مشتق من السمو وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به. وقيل: لأن الاسم يسموا بالمسمى فيرفعه عن غيره. وقيل: إنما سمي الاسم اسما لأنه علا بقوته على قسمي الكلام: الحرف والفعل؛ والاسم أقوى منهما بالإجماع لأنه الأصل؛ فلعلوه عليهما سمي اسما؛ فهذه ثلاثة أقوال.

وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهي العلامة؛ لأن الاسم علامة لمن وضع له؛ فأصل اسم على هذا (وسم). والأول أصح؛ لأنه يقال في التصغير سمي وفي الجمع أسماء؛ والجمع والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها؛ فلا يقال: وسيم ولا أوسام. ويدل على صحته أيضا فائدة الخلاف وهي:

الثامنة عشرة: فإن من قال الاسم مشتق من العلو يقول: لم يزل الله سبحانه موصوفا قبل وجود الخلق وبعد وجودهم وعند فنائهم، ولا تأثير لهم في أسمائه ولا صفاته؛ وهذا قول أهل السنة. ومن قال الاسم مشتق من السمة يقول: كان الله في الأزل بلا اسم ولا صفة، فلما خلق الخلق جعلوا له أسماء وصفات، فإذا أفناهم بقي بلا اسم ولا صفة؛ وهذا قول المعتزلة وهو خلاف ما أجمعت عليه الأمة، وهو أعظم في الخطأ من قولهم: إن كلامه مخلوق، تعالى الله عن ذلك! وعلى هذا الخلاف وقع الكلام في الاسم والمسمى وهي:

التاسعة عشرة: فذهب أهل الحق - فيما نقل القاضي أبو بكر بن الطيب - إلى أن الاسم هو المسمى، وارتضاه ابن فورك؛ وهو قول أبي عبيدة وسيبويه. فإذا قال قائل: الله عالم؛ فقوله دال على الذات الموصوفة بكونه عالما، فالاسم لكونه عالما وهو المسمى بعينه. وكذلك إذا قال: الله خالق؛ فالخالق هو الرب، وهو بعينه الاسم. فالاسم عندهم هو المسمى بعينه من غير تفصيل.

قال ابن الحصار: من ينفي الصفات من المبتدعة يزعم أن لا مدلول للتسميات إلا الذات، ولذلك يقولون: الاسم غير المسمى، ومن يثبت الصفات يثبت للتسميات مدلولات هي أوصاف الذات وهي غير العبارات وهي الأسماء عندهم. وسيأتي لهذه مزيد بيان في (البقرة) و(الأعراف) إن شاء الله تعالى.

الموفية عشرين - قوله: الله هذا الأسم أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها، حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره؛ ولذلك لم يثن ولم يجمع، وهو أحد تأويلي قوله تعالى: هل تعلم له سميا أي من تسمى بأسمه الذي هو الله . فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي، لا إله إلا هو سبحانه. وقيل: معناه الذي يستحق أن يعبد. وقيل: معناه واجب الوجود الذي لم يزل ولا يزال؛ والمعنى واحد.

الحادية والعشرون: واختلفوا في هذا الاسم هل هو مشتق أو موضوع للذات علم؟ فذهب إلى الأول كثير من أهل العلم. واختلفوا في اشتقاقه وأصله؛ فروى سيبويه عن الخليل أن أصله إلاه، مثل فعال؛ فأدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة. قال سيبويه: مثل الناس أصله أناس. وقيل: أصل الكلمة (لاه) وعليه دخلت الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه. وأنشد: لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني ولا أنت دياني فتخزوني

كذا الرواية: فتخزوني، بالخاء المعجمة ومعناه: تسوسني.

وقال الكسائي والفراء: معنى بسم الله بسم الإله؛ فحذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية فصارتا لاما مشددة؛ كما قال عز وجل: لكنا هو الله ربي ومعناه: لكن أنا، كذلك قرأها الحسن. ثم قيل: هو مشتق من (وله) إذا تحير؛ والوله: ذهاب العقل. يقال: رجل واله وامرأة والهة وواله، وماء موله: أرسل في الصحاري. فالله سبحانه تتحير الألباب وتذهب في حقائق صفاته والفكر في معرفته. فعلى هذا أصل: (إلاه)، (ولاه) وأن الهمزة مبدلة من واو كما أبدلت في إشاح ووشاح، وإسادة ووسادة، وروي عن الخليل. وروي عن الضحاك أنه قال: إنما سمي: (الله) إلها، لأن الخلق يتألهون إليه في حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم، وذكر عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه (بنصب اللام) ويألهون أيضا (بكسرها) وهما لغتان. وقيل: إنه مشتق من الارتفاع، فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع. لاها، فكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: لاهت. وقيل: هو مشتق من أله الرجل إذا تعبد. وتأله إذا تنسك؛ ومن ذلك قوله تعالى: ويذرك وإلاهتك على هذه القراءة؛ فإن ابن عباس وغيره قالوا: وعبادتك.

قالوا: فاسم الله مشتق من هذا، فالله سبحانه معناه المقصود بالعبادة، ومنه قول الموحدين: لا إله إلا الله، معناه لا معبود غير الله. و(إلا) في الكلمة بمعنى غير، لا بمعنى الاستثناء. وزعم بعضهم أن الأصل فيه (الهاء) التي هي الكناية عن الغائب، وذلك أنهم أثبتوه موجودا في فطر عقولهم فأشاروا إليه بحرف الكناية ثم زيدت فيه لام الملك إذ قد علموا أنه خالق الأشياء ومالكها فصار (له) ثم زيدت فيه الألف واللام تعظيما وتفخيما.

القول الثاني: ذهب إليه جماعة من العلماء أيضا منهم الشافعي وأبو المعالي والخطابي والغزالي والمفضل وغيرهم، وروي عن الخليل وسيبويه: أن الألف واللام لازمة له لا يجوز حذفهما منه. قال الخطابي: والدليل على أن الألف واللام من بنية هذا الاسم، ولم يدخلا للتعريف: دخول حرف النداء عليه؛ كقولك: يا الله، وحروف النداء لا تجتمع مع الألف واللام للتعريف؛ الا ترى أنك لا تقول: يا الرحمن ولا: يا الرحيم، كما تقول: يا الله، فدل على أنهما من بنية الاسم. والله أعلم.

الثانية والعشرون: واختلفوا أيضا في اشتقاق اسمه الرحمن؛ فقال بعضهم: لا اشتقاق له لأنه من الأسماء المختصة به سبحانه، ولأنه لو كان مشتقا من الرحمة لاتصل بذكر المرحوم، فجاز أن يقال: الله رحمن بعباده، كما يقال: رحيم بعباده. وأيضا لو كان مشتقا من الرحمة لم تنكره العرب حين سمعوه، إذ كانوا لا ينكرون رحمة ربهم، وقد قال الله عز وجل: وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن الآية. ولما كتب علي رضي الله عنه في صلح الحديبية بأمر النبي صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم قال سهيل بن عمرو: أما (بسم الله الرحمن الرحيم) فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم ! ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم، الحديث. قال ابن العربي‏: إنما جهلوا الصفة دون الموصوف، واستدل على ذلك بقولهم: وما الرحمن؟ ولم يقولوا: ومن الرحمن؟ قال ابن الحصار: وكأنه رحمه الله لم يقرأ الآية الأخرى: وهم يكفرون بالرحمن . وذهب الجمهور من الناس إلى أن (الرحمن) مشتق من الرحمة مبني على المبالغة؛ ومعناه ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها، فلذلك لا يثنى ولا يجمع كما يثنى الرحيم ويجمع.

قال ابن الحصار: ومما يدل على الاشتقاق ما خرجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته . وهذا نص في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق، وإنكار العرب له لجهلهم بالله وبما وجب له.

الثالثة والعشرون: زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب (الزاهر) له: أن (الرحمن) اسم عبراني فجاء معه ب(الرحيم) وأنشد: لن تدركوا المجد أو تشروا عباءكم بالخز أو تجعلوا الينبوت ضمرانا أو تتركون إلى القسين هجرتكم ومسحكم صلبهم رحمان قربانا

قال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن: وقال أحمد بن يحيى: الرحيم عربي و الرحمان عبراني، فلهذا جمع بينهما. وهذا القول مرغوب عنه.

وقال أبو العباس: النعت قد يقع للمدح؛ كما تقول: قال جرير الشاعر: وروى مطرف عن قتادة في قول الله عز وجل بسم الله الرحمن الرحيم قال: مدح نفسه. قال أبو إسحاق: وهذا قول حسن. وقال قطرب: يجوز أن يكون جمع بينهما للتوكيد. قال أبو إسحاق: وهذا قول حسن، وفي التوكيد أعظم الفائدة، وهو كثير في كلام العرب، ويستغنى عن الاستشهاد؛ والفائدة في ذلك ما قاله محمد بن يزيد: إنه تفضل بعد تفضل، وإنعام بعد إنعام، وتقوية لمطامع الراغبين، ووعد لا يخيب آمله.

الرابعة والعشرون: واختلفوا هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ فقيل: هما بمعنى واحد؛ كندمان ونديم. قاله أبو عبيدة. وقيل: ليس بناء فعلان كفعيل، فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل؛ نحو قولك: رجل غضبان، للمتلئ غضبا. وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول. قال عملس: فأما إذا عضت بك الحرب عضة فإنك معطوف عليك رحيم

فـ(الرحمن) خاص الاسم عام الفعل. و(الرحيم) عام الاسم خاص الفعل. هذا قول الجمهور.

قال أبو علي الفارسي: (الرحمن) اسم عام في جميع أنواع الرحمة، يختص به الله. (والرحيم) إنما هو في جهة المؤمنين؛ كما قال تعالى: وكان بالمؤمنين رحيما . وقال العرزمي (الرحمن) بجميع خلقه في الأمطار ونعم الحواس والنعم العامة، و(الرحيم) بالمؤمنين في الهداية لهم، واللطف بهم. وقال ابن المبارك: (الرحمن) إذا سئل أعطى، و(الرحيم) إذا لم يسأل غضب. وروى ابن ماجة في سننه والترمذي في جامعه عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم يسأل الله يغضب عليه لفظ الترمذي. وقال ابن ماجة: من لم يدع الله سبحانه غضب عليه . وقال: سألت أبا زرعة عن أبي صالح هذا، فقال: هو الذي يقال له: الفارسي وهو خوزي ولا أعرف اسمه. وقد أخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال: الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب

وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، أي أكثر رحمة.

قال الخطابي: وهذا مشكل؛ لأن الرقة لا مدخل لها في شيء من صفات الله تعالى.

وقال الحسين بن الفضل البجلي: هذا وهم من الراوي، لأن الرقة ليست من صفات الله تعالى في شيء، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر، والرفق من صفات الله عز وجل؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف .

الخامسة والعشرون: أكثر العلماء على أن الرحمن مختص بالله عز وجل، لا يجوز أن يسمى به غيره، ألا تراه قال: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن فعادل الاسم الذي لا يشركه فيه غيره. وقال: واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون فأخبر أن الرحمن هو المستحق للعبادة جل وعز. وقد تجاسر مسيلمة الكذاب - لعنه الله - فتسمى برحمان اليمامة، ولم يتسم به حتى قرع مسامعه نعت الكذاب فألزمه الله تعالى نعت الكذاب لذلك، وإن كان كل كافر كاذبا، فقد صار هذا الوصف لمسيلمة علما يعرف به، ألزمه الله إياه. وقد قيل في اسمه الرحمن: إنه اسم الله الاعظم ذكره ابن العربي.

السادسة والعشرون: الرحيم صفة مطلقة للمخلوقين، ولما في الرحمن من العموم قدم في كلامنا على الرحيم مع موافقة التنزيل؛ قاله المهدوي. وقيل: إن معنى الرحيم أي بالرحيم وصلتم إلى الله وإلى الرحمن، فـ(الرحيم) نعت محمد صلى الله عليه وسلم، وقد نعته تعالى بذلك فقال: رءوف رحيم فكأن المعنى أن يقول بسم الله الرحمن وبالرحيم، أي وبمحمد صلى الله عليه وسلم وصلتم إلي، أي باتباعه وبما جاء به وصلتم إلى ثوابي وكرامتي والنظر إلى وجهي والله أعلم.

السابعة والعشرون: روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال في قوله بسم الله : إنه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء. وأما الرحمن فهو عون لكل من آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره. وأما الرحيم فهو لمن تاب وآمن وعمل صالحا.

وقد فسره بعضهم على الحروف؛ فروي عن عثمان بن عفان أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير بسم الله الرحمن الرحيم فقال: أما الباء فبلاء الله وروحه ونضرته وبهاؤه وأما السين فسناء الله وأما الميم فملك الله وأما الله فلا إله غيره وأما الرحمن فالعاطف على البر والفاجر من خلقه وأما الرحيم فالرفيق بالمؤمنين خاصة . وروي عن كعب الأحبار أنه قال: الباء بهاؤه والسين سناؤه فلا شيء أعلى منه والميم ملكه وهو على كل شيء قدير فلا شيء يعازه. وقد قيل: إن كل حرف هو افتتاح اسم من اسمائه؛ فالباء مفتاح اسمه بصير، والسين مفتاح اسمه سميع، والميم مفتاح اسمه مليك، والالف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والهاء مفتاح اسمه هادي، والراء مفتاح اسمه رازق، والحاء مفتاح اسمه حليم، والنون مفتاح اسمه نور؛ ومعنى هذا كله دعاء الله تعالى عند افتتاح كل شيء.

الثامنة والعشرون: واختلف في وصل (الرحيم) بـ(الحمد لله)؛ فروي عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم: الرحيم ألحمد يسكن الميم ويقف عليها، ويبتدئ بألف مقطوعة. وقرأ به قوم من الكوفيين. وقرأ جمهور الناس: الرحيم الحمد تعرب الرحيم بالخفض وبوصل الألف من (الحمد). وحكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ (الرحيم الحمد)، بفتح الميم وصلة الألف؛ كأنه سكنت الميم وقطعت الألف ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفت. قال ابن عطية: ولم ترو هذه قراءة عن أحد فيما علمت. وهذا نظر يحيى بن زياد في قوله تعالى: الم الله .
avatar
عبد الناصر
القائد... المدير العام
القائد... المدير العام

عدد المساهمات : 45
نقاط : 90
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/03/2010
العمر : 27
الموقع : http://programation.ahlamontada.com/

بطاقة الشخصية
Champ de Abdennasser:

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://programation.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى